[size="4"]
خريطة شبة جزيرة القرم
شبه جزيرة القرم التي تتمتَّع بحكمٍ ذاتي ضمن جمهورية أوكرانيا جزءٌ لا يتجزَّأ من أرض الإسلام؛ فهي أرض التتار المسلمين الذين بذلوا كل ما في وسعهم للدفاع عن الإسلام ونشره والتعريف به وبتعاليمه السمحة، وبرز منهم قادة وعلماء أثرَوا تاريخنا الإسلامي.
ويتحدَّث مسلمو القرم اللغة التترية، وهي إحدى فروع اللغة التركية، وقد نشروا الإسلام في مناطق واسعة من روسيا ومنطقة جبال الأورال وعلى طول نهر الفولجا الذي أصبح نهرًا إسلاميًّا من منبعه إلى مصبِّه، وأقاموا إمارات إسلامية عدة، وأخضعوا لحكمهم في يوم من الأيام مدينة "موسكو" العاصمة الروسية الحالية، وكانوا حماةً لحدود الدولة الإسلامية، وصدوا هجمات "السلاف" عن المسلمين لقرونٍ طويلة.
تقع شبه جزيرة القرم التي تُعدُّ من أجمل بقاع العالم جنوب "أوكرانيا"، ويحيط بها البحر الأسود من الجنوب والغرب، بينما يحدها من الشرق بحر "أزوف"، ومساحتها 26100 كيلومتر مربع تقريبًا، عاصمتها سيمفربول، وكان اسمها قبل أن يستوليَ عليها المحتلون الروس "آق مسجد"، وتعني في اللغة التترية "المسجد الأبيض"، ويبلغ تعداد سكانها نحو مليونَيْ نسمة، أغلبيتهم من الروس والأوكرانيين؛ فتبلغ نسبة الروس 58% من إجمالي السكان، والأوكرانيين 24%، والباقي من التتار المسلمين أصحاب الأرض الحقيقيين.
وبسبب عمليات الإبادة الجماعية والتهجير القسري الذي تعرَّضوا له على أيدي المحتلين الروس، والسياسات القمعية التي اتبعتها الحكومات الروسية المتعاقبة على مدار مئات السنين، أصبح التتار المسلمون الآن أقليةً؛ يُمنعون من بناء مساجد لهم على أرضهم التي سُلبت منهم، وتُهدَّم منازلهم كما هو الحال في فلسطين والشيشان وتركستان الشرقية.
سقوط القرم
بعد أن قويت شوكة المسلمين التتار في القرم وأصبحت أغلب المناطق التي عُرفت فيما بعد بالاتحاد السوفييتي خاضعةً لحكمهم زهاء ثلاثة قرون، بدأ الروس يهاجمون المسلمين واستولوا على الجزء الشمالي من شبه الجزيرة عام 1091هـ (1680م)، وحينها هبَّت الدولة العثمانية لنجدة التتار المسلمين، وتحالفت معهم قرابة قرنٍ من الزمان لصد أي عدوان روسي.
ثم ضعف أمر المسلمين وضعفت الخلافة الإسلامية العثمانية التي كانت رمزًا لوحدة المسلمين، وقوةً تُدافع عنهم وعن قضاياهم لأسباب عدة.
في 21 يوليو 1774م تم فصل القرم عن سيادة الدولة العثمانية وإعلانها دولة مستقلة، ثم توالت النكسات ونقضت الإمبراطورة الروسية "كاترين الثانية" العهود والاتفاقيات الموقَّعة مع الدولة العثمانية، واستولت على شبه جزيرة القرم في 8 أبريل 1783م (1198هـ) وضمتها إلى الإمبراطورية الروسية، وكانت هذه الإمبراطورة شديدة التعصب للمسيحية، وبدأ منذ ذلك الوقت الاضطهاد الديني ضد المسلمين في القرم.
إبادة جماعية
بذل تتار القرم كل ما في وسعهم للدفاع عن دينهم وأرضهم، وقاوموا الروس مقاومةً عنيفةً، وجاء في رسالةٍ كتبتها إمبراطورة الروس "كاترين الثانية" في 22 يناير1791م بعد المقاومة العنيفة التي رآها الروس من التتار: "إنه لمن السهل الوصول إلى أمريكا أو سيبيريا، لكن الوصول إلى القوقاز أصعب ما يكون".
وقد مارست روسيا القيصرية شتى ألوان القهر والتعذيب ضد شعب التتار المسلم الذي تعرَّض للإبادة الجماعية أكثر من مرة؛ فبعد أن سيطر الروس على شبه جزيرة القرم قاموا بقتل مئات الآلاف من المسلمين التتار، لدرجة أن الجثث لم تكن تجد مَن يدفنها، وانتشرت الأوبئة التي أودت بحياة القتلة الروس أنفسهم، كما قاموا بطرد مئات الآلاف من مسلمي القرم ومصادرة أملاكهم وإحلال الروس والأوكرانيين مكانهم، واحتمى الكثير من التتار بالمناطق التابعة للدولة العثمانية آنذاك، فحتى الآن يوجد في تركيا حوالي خمسة ملايين تتري.
ولم يكتفِ الروس بإبادة الشعب التتري المسلم، بل أبادوا كلَّ معالم التراث الإسلامي في القرم من مساجد وكتب إسلامية، وأحرقوا الوثائق التي كانت تُعد ذخيرةً علميةً لا تُقدَّر بثمن، وكانت بمثابة رمز تاريخي للشعب التتري، وصدرت عدة قوانين تحرِّم الدعوة إلى الإسلام.
ومع زيادة عمليات التهجير الإجباري أصبح مسلمو القرم أقليةً في بلادهم مقابل أكثرية روسية وأوكرانية، وتذكر المصادر التاريخية أنه عندما فشل الروس والأوكرانيون في زراعة الأراضي المصادرة من التتار لعدم خبرتهم بها توقفوا عن عمليات الترحيل وأجَّروا الأرض للتتار مرةً أخرى كي يزرعوها.
خداع الشيوعيين
عندما قامت الثورة الشيوعية 1917م خدع الشيوعيون المسلمين التتار كما خدعوا غيرهم من المسلمين داخل الاتحاد السوفييتي السابق؛ فقطعوا لهم عهودًا مزيفة بالاستقلال إذا ما ساندوهم ضد الحكم القيصري الروسي، وبالفعل انخدع المسلمون وساعدوا الشيوعيين في ثورتهم ضد القياصرة الروس.
لكن الشيوعيين ما إن تمكنوا من تحقيق مآربهم حتى كشفوا القناع المزيَّف عن وجوههم وأفصحوا عن نواياهم الخبيثة ضد المسلمين في روسيا وآسيا الوسطى عمومًا، ومسلمي القرم خصوصًا؛ فبعد سقوط الحكم القيصري وانتصار الثورة الشيوعية في موسكو أعلن تتار القرم عن قيام جمهوريتهم المستقلة كما وُعِدوا بذلك، إلا أن الشيوعيين سرعان ما أسقطوا الحكومة، وأعدموا الآلاف.
وكمحاولةٍ لتهدئة الأوضاع بادر البلاشفة بالإعلان عن القرم جمهوريةً اشتراكيةً سوفييتيةً في 18 أكتوبر 1921م، ومنحوا بعض المسلمين مناصب مرموقة، إلا أن الأمر لم يدم طويلاً، وبدأ البلاشفة بسحب المناصب المهمة من أيدي التتار وأسندوها إلى ذويهم.
وفي أثناء المجاعة التي حلَّت بالقرم (1921م- 1923م) بسبب مصادرة الأراضي وعدم زراعتها، فرض الروس سياسة الحصار والتجويع، ومنعوا وصول الإمدادات التي بعثت بها تركيا إلى التتار وبعثوها إلى مناطق أخرى، ومات في هذه المجاعة أكثر من 150 ألفًا من تتار القرم.
كيان يهودي!
عندما أراد ستالين إنشاء كيان يهودي على أرض القرم عام 1923م ثار عليه التتار بقيادة أئمة المساجد والمثقفين، فأعدم الآلاف منهم، ونفى عشرات الآلاف إلى سيبيريا، ومن الأدلة الدامغة على رغبة ستالين في إنشاء دولة يهودية على أرض القرم خطابٌ له بتاريخ 15 فبراير 1944م، وقَّعه زعماء اللجنة اليهودية لمقاومة الفاشية في الاتحاد السوفييتي السابق يدعمون فيه رغبة ستالين في إنشاء كيان يهودي على أرض القرم (رومان بروكمان 2001م: 337).
وقد حاول ستالين فيما بعد إنشاء دولة يهودية موالية للاتحاد السوفييتي على أرض فلسطين كما ذكر رومان بروكمان في كتابه "الملف السري لجوزيف ستالين: حياة مخفية" (ص 375 و376 و377)؛ حيث حاول ستالين أن يستغل الخلاف اليهودي البريطاني آنذاك حول نقل يهود أوروبا إلى فلسطين في إنشاء دويلة يهودية موالية للاتحاد السوفييتي على أرض فلسطين، وعندما خان اليهود عهودهم المقطوعة لستالين واستعانوا بالولايات المتحدة والغرب، انقلب عليهم ستالين وأعدم زعماء اللجنة اليهودية لمقاومة الفاشية، وقام بنفي العديد من يهود روسيا إلى سيبيريا، واتهمهم بالتآمر مع الولايات المتحدة لإقامة كيان يهودي على أرض القرم، وهكذا لم يجد الروس الذين حاولوا التآمر ضد العرب إلا العرب لتحقيق مصالحهم في المنطقة؛ وهذا ليس لقناعتهم بقضية العرب وإنما لحاجتهم إليهم.
تصفية عرقية
منح ستالين اليهود وطنًا في أقصى الشرق الروسي في مقاطعة "يفيرسكيا أوبلست" ذات الحكم الذاتي، والتي لا تزال قائمةً حتى يومنا هذا في روسيا الاتحادية، وتعني بالروسية: "المقاطعة اليهودية"، ويقول عنها الروس: إنه لا يسكنها غير حاكمها؛ فقد هجرها اليهود لسوء الأحوال بها؛ حيث تكثر المستنقعات والبعوض، كما أنها شديدة البرودة في الشتاء.
وإبان الحرب العالمية الثانية اتهم ستالين التتار المسلمين بالتعاون مع النازيين الألمان، وأرغمهم على الهجرة إلى آسيا الوسطى وسيبيريا، وفي 18 مايو 1944م أمر ستالين بتهجير كافة التتار إلى سيبيريا وآسيا الوسطى، وخصوصًا أوزبكستان، وتمَّ الترحيل آنذاك في ظروفٍ قاسية بعد أن صودرت أملاكهم، وسُلبت منهم قبل الترحيل كل الأوراق التي تثبت ملكيتهم لبيوتهم وأراضيهم، وقد لقي 46% من تتار القرم حتفهم إما في القطارات التي استُخدمت لتهجيرهم أو في المخيمات التي وُطِّنوا فيها بسبب المرض والجوع (حسب موسوعة ويكيبيديا).
وقد تمَّت التصفية العرقية للتتار على أكمل وجه عام 1946م، وأصدر مجلس السوفييت الأعلى قرارًا في 20 يونيو 1946م بإلغاء جمهورية القرم ذات الاستقلال الذاتي؛ لخيانة شعب القرم لدولة اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية (كما ورد في القرار)، وقام الجنود الروس بحرق ما وجدوه من مصاحف وكتب إسلامية، وأعدموا أئمة المساجد والكثير من علماء التتار ورجال الدين، وأتلفوا كتبهم الدينية والتاريخية والتراثية، ودمَّروا بيوتهم، وهدموا 1500مسجد تقريبًا في شبه جزيرة القرم (حسب بعض المصادر التاريخية)، وحوَّلوا المساجد الباقية إلى دور سينما ومخازن ومتاحف، وتمَّ إلحاق القرم دون أي استفتاء شعبي بأوكرانيا في 19 فبراير 1954م.
إعلان تبرئة
ورغم صدور إعلان سوفييتي عام 1967م يبرِّئ التتار من تهمة التعاون مع النازيين إلا أن الحكومة السوفييتية لم تفعل شيئًا من أجل إعادة توطين تتار القرم وإعادة ملكياتهم المسلوبة، وتعويضهم عما لاقوه.
وانخفض عدد التتار في القرم من تسعة ملايين نسمة تقريبًا عام 1883م (أو خمسة ملايين حسب بعض المصادر التاريخية) إلى نحو 850 ألف نسمة عام 1941م، ثم إلى 500 ألف نسمة، حتى وصل عددهم الآن إلى 260 ألف نسمة فقط؛ وذلك بسبب سياسات الإبادة والتهجير والقتل والطرد التي اتبعتها الحكومات الروسية، سواءٌ في عهود القياصرة أو خلفائهم البلاشفة، فأصبح التتار أقليةً على أرضهم المغتصبة.
وبعد استقلال أوكرانيا عن الاتحاد السوفييتي عام 1991م عاد بعض تتار القرم المهجَّرين إلى أراضيهم، فوجدوا أن أملاكهم قد وُزِّعت على الروس والأوكرانيين الذين ينتمون إلى العرق "السلافي" الذي ينتمي إليه الصرب سفاكو دماء المسلمين في البوسنة وكوسوفا، وقد أطلق الروس على هؤلاء المحتلين آنذاك اسم "الكادحين السوفييت"، وفضَّلوهم على باقي الأعراق.
وشكَّلت قيادات التتار عام 1991م "مجلس شعب تتار القرم"، وفي 30 يونيو من العام نفسه أعلن المجلس سيادته على تتار القرم واتخذ نشيدًا وعلمًا، وأصبح ممثلاً لتتار القرم أمام الحكومة الأوكرانية والقرمية والمؤسسات الدولية.
يتبع.............