حذر برنامج التغذية العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة في تقارير خاصة، من بقاء أسعار المواد الغذائية الأساسية مرتفعة إلى غاية 2025، وعدم تراجعها على المدى القصير عن مستواها الذي بلغته عام 2004، ليضع العديد من الدول النامية المستهلكة أمام واقع جديد.
على غرار ارتفاع المواد الطاقوية، ويتمثل في كيفية التعامل مع عامل الندرة ونقص الإنتاج، خاصة بالنسبة لدول مثل الجزائر التي تستورد ما بين 20 إلى 40 بالمائة من أهم المواد الغذائية مثل الحبوب والحليب.
وفي وقت، توقع الخبراء الاقتصاديون باستمرار ارتفاع أسعار النفط، وبقاءها في مستويات عالية على المدى القصير، فإن خبراء اقتصاديين آخرين، حذروا من الدخول في مرحلة الندرة فيما يتعلق بالمواد الغذائية.
فقد أشار بيان صادر عن برنامج التغذية العالمية التابع لمنظمة الأمم المتحدة أن أهم المواد الغذائية ستظل مرتفعة خلال العشرية المقبلة على الأقل وأكثـر من ذلك، بالنظر لعامل أساسي، الارتفاع السريع للطلب العالمي مقابل التباطؤ المسجل في الإنتاج، وتبقى الحبوب من أهم المواد المعنية منذ 2004 بهذه الظاهرة، حيث أضحى الطلب العالمي ينمو أكثـر من مستوى نمو الإنتاج، مما دفع الدول المصدرة لأول مرة للجوء إلى الاحتياطي الذي تراجع بصورة كبيرة خلال السنتين الماضيتين، إلى حد أضحى لا يتعدى 7 أشهر، وقد دفعت الوضعية الجديدة بمنظمة الأمم المتحدة إلى إنشاء مجموعة دراسات خاصة للنظر في تداعيات الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية.
وقد عمد عالم الاقتصاد الأمريكي بول غروغمان في آخر دراسة له إلى طرح إشكالية الارتفاع الكبير المسجل في أسعار الحبوب والأرز، والتي تعدت في العديد من الدول نسبة 100 بالمائة خلال سنة، مشيرا إلى أن هنالك احتمالا مطروحا بحدة يتمثل في إمكانية بلوغ النمو الاقتصادي مرحلة الانسداد بالنظر لنقص الموارد الطبيعية، ورغم تأكيد البعض بأن ظاهرة المضاربة على المواد الأولية والغذائية أضحت عاملا حاسما في تحديد الأسعار، بالنظر للجوء العديد من صناديق الاستثمار لتوظيف أموالها في هذا الجانب المربح، وبالتالي، فإن الأمر لا يعدو أن يكون ظرفيا يمتد خلال أشهر، فإن اقتصاديين آخرين يؤكدون بأن تطورات أسعار المواد الأولية والغذائية تستند على معطيات كتسارع الطلب، ولا سيما من الدول الصاعدة والصين، وبالتالي هنالك إمكانية التحكم فيها، لكن طرفا ثالثا يؤكد بأن عهد المواد الغذائية والأولية الرخيصة انتهى، فالاكتشافات الجديدة لحقول النفط الكبيرة قليلة، وأضحت مكلفة للاستغلال، ولا تفي بالمطلوب، بالمقابل سجلت تقلبات مناخية أثـرت على العديد من الدول المنتجة الكبرى، مثل الجفاف الذي تعرفه أستراليا منذ سنوات، والذي أثـر على إنتاج الحبوب، في وقت دفعت قلة المحصول عددا من الدول مثل أوكرانيا وكازاخستان وروسيا إلى تقنين تصدير الحبوب أو فرض رسم عليها، والأمر ذاته ينطبق على الأرجنتين، في وقت عمدت البرازيل إلى تخفيض صادرات قنب السكر وتوجيه جزءا منها إلى الاستهلاك كطاقة، وذات الأمر تقوم به الولايات المتحدة بالنسبة للذرة.
وعلى هذه الخلفية، أضحى الطلب العالمي يتضاءل والسعر يرتفع، فمتوسط ارتفاع المواد الغذائية الأساسية بلغ 83 بالمائة، حسب الأمم المتحدة في ظرف ثلاث سنوات، وبطبيعة الحال، فإن الحبوب تأتي على رأس المواد التي عرفت ارتفاعا بأنواعها، وأضحى 100 مليون شخص مهددين بدرجة كبيرة، ولكن العدد قابل للارتفاع حسب برنامج الأمم المتحدة للتغذية.
وتبقى الجزائر معنية بالنظر لتبعيتها الغذائية على المدى المتوسط، خاصة وأن حاجيات السوق تتنامى بدرجة أسرع من قدرات الإنتاج، وإذا كانت الراحة المالية تضمن حاليا تغطية وسد الحاجيات، فإن أي اضطراب على المدى المتوسط يمكن أن يعرض الأمن الغذائي للبلد للخطر أو الاختلال، فإنتاج أهم المواد الأساسية محليا لا يتعدى في أفضل الأحوال 50 بالمائة، أي أننا تابعين بنسب تتراوح ما بين 30 إلى 50 بالمائة، وهي مستويات بالنسبة لمواد حساسة خطيرة عند العديد من الدول.