يشعر البعض ممن دفعتهم ظروفهم إلى العمل لساعات متواصلة؛ إلى الشعور بالذنب والتقصير تجاه حقوق الله والنفس والأرحام، فلا يكاد يجد الوقت الذي يخلو فيه لربه، ولا يستطيع التواصل اجتماعيًّا مع الناس، ولا حتى الاسترخاء والراحة·· فكيف يمكن الموازنة بين العمل والعبادة؟
يجب ألا ننظر إلى العمل على أنه للتكسّب فقط، إذ يظن كثيرون أن العمل شيء عادي بعيدا عن العبادة، وهذا خطأ·· فالعمل عبادة يثاب عليها فاعلها، ويؤجر عليها يقول تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} التوبة: .105
لذلك حثّنا ديننا الحنيف على العمل والاجتهاد وذمّ التكاسل والمتكاسلين· فلا بد للمسلم أن يجتهد ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ دونما أن يكلف نفسه فوق طاقتها، داعيا الله أن يقوي ظهره ويوفقه لنيل الرزق·
وفيما رواه الطبراني أنه قد مرَّ رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فرأى الصحابة جدّه واجتهاده ونشاطه، فقالوا: ''يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله''· فقال صلى الله عليه وسلم: ''إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يُعِفّها فهو في سبيل الله''· فهذا الساعي على أهله أو أولاده أو نفسه كالمجاهد في سبيل الله ما دام محسنا للنية قاصدا وجه الله تعالى·
إذن فلا بد من الأخذ بالأسباب والجد والاجتهاد والتحرّك لنيل الرزق وكسب لقمة العيش· ولا يصح أبدا أن يقول قائل: ''هذه أرزاق، ولن تأخذ إلا نصيبك··إلخ'' متّكلا على هذا الكلام، فعقيدتنا غير ذلك·
وللطاعة رزق
من الخطأ أن نعتقد أن مجرد العمل وحده هو السبب الوحيد للرزق، فهناك أسباب كثيرة تجلب الرزق إضافة إلى العمل لا بد أن يعرفها ويعيها كل مسلم·· فالمعاملات بين الناس ومعاونة بعضهم بعضا، وصلة الرحم والبر بشتى صنوفه، كل هذه أشياء تبارك في الرزق والأجل، ويدفع الله بها عن الإنسان مصائب لا حصر لها ولا قِبل له بها·
إن ذكر الله عز وجل مما يجلب الرزق، فالاستغفار يجلب الرزق ويفتح أبوابه مصداقا لقوله تعالى على لسان نبيه هود عليه السلام:
{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} هود: .52
وهناك بعض الناس إذا أصابه بلاء أو وقعت له مصيبة؛ فإنه يلجأ إلى الناس دون خالقه؛ نظراً لأن ثقته بربه ضعيفة، ويلجأ إلى كل وسيلة، ويطرق كل باب وينسى قدرة مولاه وقوّته؛ ولذلك علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم الإكثار من قول ''لا حول ولا قوة إلا بالله'' دائما فإنها كنز من كنوز الجنة·
إن صلة الرحم تزيد في الرزق وتبارك في الأجل، وتجلب رضى الرب جل وعلا· ولقد هجر الناس هذه الأيام ذوي الأرحام ـ إلا مَنْ رحم ربي، وأصبح الناس لا همّ لهم إلا الدنيا والعمل، ولسان حالهم يقول ''نفسي نفسي، الوقت ضيق، لا أحدٌ ينفع أحدًا''؛ فانعدمت بذلك البركة، وضاعت الألفة التي كانت تجلب رضى الرحمن جل وعلا·
روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ''من سرّه أن يبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه''·
(رواه البخاري)؛
فلا بد إذن من صلة الرحم فإنها تجلب مرضاة الرب ورحمته جل وعلا·